المنجي بوسنينة
269
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ولكنه يصطدم منذ مراحل التعليم الأولى بمأساة التعليم في الجزائر المستعمرة ، حيث يغدو التلميذ في أغلب الأحيان ممزقا بين تعليمين : أحدهما فرنسي ، عصري المناهج والأساليب ، ولكنه يهدم الروحيات ، ومقومات الشخصية الجزائرية ، وثانيهما عربي حر تعرف به الكتاتيب والمساجد وبعض المدارس الحرة ، ولكنه عقيم الأساليب ، ضعيف المناهج ، يساق فيه التلميذ بالعصا ، وتقحم المعلومات في عقله الصغير بالحفظ الببغاوي . لذلك قرر والد حمود أن يبعث بابنه إلى تونس ، وكانت تونس آنئذ قبلة لكل شغوف بالمعرفة ، وانضم حمود إلى أفراد البعثة التعليمية التي يترأسها الشيخ أبو اليقظان ، والشيخ أبو إسحاق اطفيش ، والشيخ محمد الثميني . وترسم تونس في حياة حمود خطا فاصلا بين حياتين ، وتستقبل فيه شابا في السادسة عشرة من عمره ، ينبض كل عرق فيه بحب المعرفة ، فراحت تبنيه أدبيا وفكريا واجتماعيا وسياسيا . . فكونته المطالعة والأندية الأدبية ، وأبرزت مواهبه الشعرية ، ورباه مشايخه في البعثة ، وزرعوا فيه حب الاستقامة خلقا ودينا ، وبثوا فيه حب التضحية في سبيل الوطن . وتقلب هناك في عدة مدارس : مدرسة السلام ، المدرسة القرآنية الأهلية ، فالمدرسة الخلدونية ، ثم الجامع الأعظم ، جامع الزيتونة . ولكن التقاليد الجزائرية التي كانت تحتم على الشاب التزوج مبكرا حرمته من أن يستزيد علما ، فرجع إلى الجزائر وهو أشد ما يكون إلى استكمال دروسه ، وفي نفسه تحسر وتفجع . على أن حمود وهو ما يزال في تونس تلميذا مبتدئا ، لم يقتصر على ما تمده به المدرسة من زاد ، فقد كان يعمر أوقات فراغه بالتمرين على الكتابة ، والخطابة ، والشعر . وكون مع بعض إخوانه الطلبة في البعثة جمعية أدبية وطنية [ الفتى ، ص 26 ] . تلك إذن كانت حياة حمود التعليمية ، وهي ليست بذات غنى من حيث مدتها وتنوعها ، غير أن حمود بما أوتيه من ذكاء حاد ، وطموح فوار ، دفعاه إلى أن ينكب على ثقافة عصامية أساسها المطالعة باللغتين العربية والفرنسية في كتب التاريخ والأدب والسياسة . وعاد إلى الجزائر ، واستقر بمسقط رأسه غرداية ، وراح يشارك في إصلاح المجتمع الجزائري باندفاع وحماسة ، وأثرى الصحف الوطنية بمقالاته وشعره ، نشر أولياتها في جريدة « الشهاب » للشيخ ابن باديس ، ثم في جريدة « وادي ميزاب » للشيخ أبي اليقظان . وألف في هذه الأثناء أيضا كتابيه « بذور الحياة » و « الفتى » . ولكن مرض السل الذي بدأ ينهش رئتيه وهو ما يزال طالبا بتونس لم تسلمه مخالبه إلا بعد أن مزقته ، وأعيى الأطباء داؤه فما كان ينتصح لنصحهم حين أرشدوه إلى الابتعاد عن كل تعب فكري أو جسماني . وقد اختضرته المنية وهو في الثالثة والعشرين من عمره . أول ما يلفت النظر في شخصية حمود هو هذه